الاخبار: زينب حمود الثلاثاء 7 تموز 2026
رغم فداحة اتفاق الإطار بمجمله، شكّلت «المادة 13» أكثر بنوده إثارةً للجدل، وتعرّضت لانتقادات واسعة، حتى من خصوم المقاومة والمؤيّدين للتفاوض المباشر مع العدو. فقد رأى هؤلاء فيها تنازلاً شاملاً عن حق اللبنانيين في ملاحقة إسرائيل ومُساءلتها عن مجمل جرائمها، من قتل المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال والمُسعِفون والصحافيون، إلى الإبادة العمرانية والبيئية والثقافية، والتهجير القسري، وسائر الانتهاكات التي ارتكبتها خلال الحرب.
وإزاء موجة الاعتراضات، حاول رئيس الجمهورية جوزيف عون تبرئة نفسه من تهمة «المادة 13»، لكنه وقع في سقطة ثانية. فالمادة، كما وردت في النص الرسمي للاتفاق، تنصّ على أن «تلتزم إسرائيل ولبنان باتخاذ تدابير قائمة على حسن النية وتُظهِر نوايا إيجابية، بما في ذلك وقف جميع الأعمال العدائية أو المناوئة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، تماشياً مع أهدافهما المشتركة الرامية إلى إقامة علاقات مستقرّة وسلمية».
ومع ذلك، استغرب عون، خلال لقائه وفداً من نقابتَي المحامين في بيروت والشمال، «جهل المعارضين»، داعياً إياهم إلى «قراءة الاتفاق منيح»، ومؤكداً أنّ ما وقّع عليه هو «تعليق الأعمال القانونية من الجانبين اللبناني والإسرائيلي خلال فترة التفاوض حصراً، لا إلغاؤها». لكن هذا التوضيح فتح الباب أمام جدل قانوني ولغوي، إذ وجد المعارضون أنفسهم أمام «لعبة المصطلحات»، مميّزين بين كلمة cessation الواردة في النص الإنكليزي، والتي تعني «الوقف» أو «الإيقاف»، وكلمة suspension التي تعني «تعليق». ومن هنا برز التساؤل: هل يستند الرئيس عون إلى نسخة مختلفة من الاتفاق؟
تؤكّد النائبة حليمة القعقور أنها اطّلعت «على ثلاث نسخ من الاتفاق، وكلّها تنص على وقف الأعمال القانونية ضد العدو، لا تعليقها»، مشدّدة على أنه «لا يمكن التلاعب بالمصطلحات عند التفاوض مع العدو، أو الادّعاء بأننا كتبنا شيئاً ونقصد شيئاً آخر». وتضيف أن قراءة المادة في سياقها الكامل تُظهِر أن وقف الملاحقات القانونية جاء في إطار السعي إلى «إقامة علاقات مستقرة وسلمية» بين البلدين، بما يوحي بأن التخلّي عن المُساءلة ليس إجراءً مؤقّتاً، بل هو جزء من المسار السياسي الذي يرسمه الاتفاق.
وفي معرض دفاعه عن الاتفاق، شدّد عون أيضاً على أن إسقاط الحق في الملاحقة القانونية يطاول الطرفين، معتبراً أن ذلك يعكس توازناً في الالتزامات. غير أن ذلك يعني، وفق القعقور، «بيع كل شيء للعدو، فالدولة اللبنانية لم ترتكب أي جريمة ضد إسرائيل لتلاحقها عليها، بل جاء الاعتداء من طرف واحد، هو إسرائيل. أمّا إذا كانت إسرائيل تعتبر أن حزب الله ارتكب أفعالاً تستوجب الملاحقة، فإن الاتفاق لا يشمله، بل يحمّله أصلاً مسؤولية العدوان».
التخلّي عن المُساءلة ليس إجراءً مؤقتاً بخلاف ما قاله عون بل جزء من مسار سياسي يرسمه الاتفاق
وتطرح القعقور سؤالاً إضافياً: «حتى لو سلّمنا جدلاً بأن الاتفاق لا ينصّ على إلغاء الحق في الملاحقة، بل على تعليقه خلال فترة التفاوض، فكيف يمكن للبنان أن يقدّم هذا التنازل بوصفه بادرة حسن نية، فيما تواصل إسرائيل، في المقابل، خرق الاتفاق يومياً عبر عمليات القتل والتفجير والانتهاكات الميدانية؟».
وإذا كان تبرير عون لم يُقنِع معارضي الاتفاق، فإن القعقور ترى فيه «تراجعاً مُبطناً عن الخطأ». لكن، هل يمكن ترجمة هذا التراجع بعد التوقيع الرسمي على الاتفاق؟
تجيب أكثر من مرجعية قانونية بالإيجاب، موضحة أن «اتفاق الإطار ليس اتفاقاً نهائياً، ولا يرتّب بذاته التزامات قانونية نافذة، بل يحدّد إطار المفاوضات تمهيداً للتوصل إلى اتفاق نهائي، ولا يصبح مُلزِماً إلّا بعد إقراره في مجلس الوزراء وموافقة مجلس النواب عليه». وبناءً عليه، يبقى الباب مفتوحاً لتصحيح الموقف، إذا توافرت الإرادة السياسية. غير أن ذلك لا يتحقّق عبر خطابات موجّهة إلى الداخل، بل يقتضي إبلاغ الجانب الإسرائيلي رسمياً بتعديل الموقف اللبناني، من خلال مذكّرة أو كتاب رسمي يصحّح ما ورد في الاتفاق.
المحاكم الأوروبية بديل؟
بعد توقيع «اتفاق العار»، وبمبادرة من عائلة الشهيدين المدنيين محمد شهاب وطفلته تالين، وقّع عدد من أهالي الضحايا عريضة دولية ترفض أي تسويات سياسية أو اتفاقيات تمنح حصانة لمرتكبي جرائم الحرب، وتطالب، خلافاً لما نصّ عليه الاتفاق، بملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم أمام المحاكم الدولية والوطنية. وقد وُجّهت العريضة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، والمفوّض السامي لحقوق الإنسان، والمدّعين العامين في عدد من الدول الأوروبية.
وبعدما تنازلت السلطة عن الحق العام في ملاحقة إسرائيل على جرائمها، سعت عائلات الضحايا إلى البحث عن إطار قانوني بديل يحفظ حقها الشخصي في مقاضاة إسرائيل عن جرائم قتل وتدمير ممتلكات. ووجدت في المحاكم الوطنية في عدد من الدول الأوروبية، مثل السويد وسويسرا وألمانيا وبلجيكا والنروج، نافذة قانونية ممكنة، استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي يجيز محاكمة مرتكبي جرائم الحرب بغضّ النظر عن جنسيتهم أو مكان ارتكاب الجريمة.
غير أن اللجوء إلى المحاكم الوطنية ذات الاختصاص العالمي، وفق القعقور، «أمر مُعقّد بالنسبة إلى الأفراد، سواء بسبب كلفته المالية المرتفعة أو لأن غالبية الأنظمة القضائية تشترط أن يحمل المدّعي جنسية الدولة التي تُرفع فيها الدعوى، باستثناء ألمانيا والسويد. وعليه، يكون رئيس الجمهورية، ومعه رئيس الحكومة نواف سلام، الرئيس السابق لمحكمة العدل الدولية، قد قيّدا قدرة اللبنانيين على ملاحقة الاحتلال قانونياً، ومنحاه عملياً «كارت بلانش» للإفلات من العقاب على جرائم حرب لا تسقط بالتقادم.